عبد الملك الجويني

160

نهاية المطلب في دراية المذهب

والقول الثالث ( 1 ) المنصوص عليه في الجديد - أنها تنتظر سنَّ اليأس ، واحتج بقوله تعالى : { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ } [ الطلاق : 4 ] الآية . ثم قال : ليست هذه من اللائي يئسن ، ولا من اللائي لم يحضن ، فلا بد فيها من انتظار الحيض ، فإن عاد ، فذاك ، وإن لم يعد ، اندرجت - إذا بلغت سن اليأس - تحت قوله : { وَاللَّائِي يَئِسْنَ } . ثم استأنس بمذهب عبد الله بن مسعود فيما روي أن أبا الأحوص طلّق امرأته وهي من ذوات الأقراء ، فارتفعت حيضتها ، قال عبد الله بن مسعود ( 2 ) : " أبقى الله الميراث بينكما ، لا تنقضي عدتها حتى تحيض أو تأيس " وطلق حَبّانُ بنُ منقذ امرأته ، وكانت من ذوات الأقراء ، وكانت تُرضع ولده ، فارتفع حيضتها تسعةَ عشرَ شهراً ، فمرض حَبّان ، فخاف أن يموت ، فترثه ، فسأل ، فقال عثمان لعلي وزيد رضي الله عنهم : ما تريان فيهما ؟ فقالا : نرى أنها لو ماتت ورثها ولو مات ورثته ؛ فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض ، ولا من اللائي لم يحضن ، قال علي : هي على عدة حيضها ، فرجع حَبّان إلى الدار وانتزع الولد منها [ ففقدت ] ( 3 ) الرضاع ، وحاضت ، فلما مضى بها حيضتان مات حَبان فورثته ( 4 ) . فإن قيل : القصة في انقطاع الحيضة لعلةٍ ، وإن كان كذلك ، فلا خلاف . قلنا : الحجة في قولهما وتعليلهما ، لا في حال المرأة ، وقد دل قولُهما على أن المعتبر الحيض إذا لم تكن من اللائي لم يحضن . ومعتمد هذا القول من جهة المعنى أن العدة مبتنيةٌ على التعبد ، ولا يختلف الأمر فيها باستيقان براءة الرحم وعدمِ الاستيقان ، فلولا أن عدة الفراق في الحياة يختص وجوبها بالممسوسات ، لحسُن إطلاقُ القول بأن العدة مبنية على التعبد المحض ، فإذا

--> ( 1 ) جعله ( الثالث ) هنا نظراً لحكاية قولي القديم قبله ، وإلا فقد عده الأول آنفاً . ( 2 ) أثر عبد الله بن مسعود رواه البيهقي في الكبرى ( 7 / 419 ) والمعرفة ( 11 / 191 ) ، وسنده صحيح كما قاله الحافظ في تلخيصه ( 3 / 469 ح 1806 ) . ( 3 ) غير مقروءة في الأصل : والتصويب من مختصر المزني . ( 4 ) فتوى علي وزيد في امرأة حبان بن منقذ ، رواها الشافعي في الأم ( 5 / 212 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 7 / 419 ) والمعرفة ( 1 / 190 ) . وانظر التلخيص : ( 2 / 468 ح 1805 ) .